ما جرى في فنزويلا ليس حادثاً عابراً، ولا “عملية أمنية”، ولا حتى مغامرة سياسية محسوبة. ما جرى هو كسرٌ متعمّد لأسس القانون الدولي، وإعلان صريح بأن منطق القوة بات أعلى من أي شرعية أو نظام عالمي.
حين تُقدِم دولة على اعتقال رئيس دولة ذات سيادة بقوة السلاح، خارج أي تفويض من مجلس الأمن، ودون مسار قضائي دولي، بل وحتى دون علم مؤسساتها التشريعية، ثم يخرج رئيسها ليعلن أن نفط تلك الدولة سيكون ضمن حساباته السياسية والاقتصادية—فنحن لا نكون أمام سياسة خارجية، بل أمام سلوك عصابات منظم.
في فنزويلا الجريمة مكتملة الأركان، الوقائع واضحة ولا تحتمل التأويل:
– لا قرار من مجلس الأمن الدولي
– لا مذكرة توقيف من محكمة جنائية دولية
– لا تسليم قضائي ولا مسار قانوني
– لا تفويض من الكونغرس الأميركي
وفق القانون الدولي، هذا ليس “اعتقالاً”، بل اختطاف دولي.
وليس “تدخلاً مشروعاً”، بل عدواناً مسلحاً.. وهو ليس “حماية للأمن”، بل انتهاك صارخ لسيادة دولة ونهب معلن لمواردها.
تصريح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كان واضحاً حين وصف ما جرى بأنه “سابقة خطيرة” وعبّر عن قلقه من “عدم احترام القانون الدولي”. هذه ليست لغة دبلوماسية محايدة، بل إدانة قانونية محسوبة لعمل غير مشروع، وإن جاءت بصيغة حذرة بحكم موقعه.
حين يُذكَر النفط بعد استخدام القوة، تسقط كل الذرائع.
التاريخ الحديث يعرف هذا السيناريو جيداً، العراق، ليبيا، واليوم فنزويلا، النفط لا يُذكر صدفة، بل عندما يكون الدافع الحقيقي. وهنا لم يعد ترامب يتصرف كرئيس دولة يدير سياسة خارجية، بل كزعيم شبكة قوة يربط السلاح بالمال، ويحوّل الجيوش إلى أدوات تحصيل ونهب.
المنهج نفسه: من غزة إلى لبنان واليوم فنزويلا.. ما جرى في فنزويلا لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع:
الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل في إبادة أهل غزة،
تدمير الجنوب اللبناني، والاغتيالات الإسرائيلية اليومية الممنهجة والمقوننة سياسياً، والحماية الأميركية الكاملة لكل خرق للقانون الدولي وكل جريمة حرب، وعلى رأسها حماية بنيامين نتنياهو.
ترامب ليس مجرد داعم لنتنياهو، بل حاميه السياسي والقانوني.
هو من يسعى لفرض عفو خاص عنه في قضايا الفساد، وهو من قاد عملياً عملية تفكيك المحكمة الجنائية الدولية وملاحقة قضاتها والضغط عليهم، لا لشيء إلا لأنها تجرأت وحكمت بالعدل، ووصفت نتنياهو بما هو عليه: “مجرم حرب” .
في نظر ترامب، نتنياهو الذي يقتل الأطفال والنساء والمدنيين ليس مجرماً، بل “بطل حرب”، وفي هذا الانقلاب الأخلاقي تسقط كل الأقنعة، ويُكشف جوهر المنهج.
المنهج واحد:
تعطيل القانون الدولي، تحقير الأمم المتحدة، حماية الجناة، وتجريم الضحايا.. ترامب، في هذا السياق، لا يتصرف كرئيس في البيت الأبيض، بل كعرّاب سياسي: يموّل، يحمي، ويمنح الغطاء الكامل لمنطق القتل والتدمير.
السؤال الحقيقي ليس إن كان نظام مادورو جيداً أم سيئاً:
هذا سؤال مضلل ومقصود، السؤال الجوهري هو، إذا أصبح خطف رئيس دولة أمراً ممكناً، فمن يضمن أن لا تكون أي دولة تالية؟
اليوم فنزويلا. غداً أي دولة ضعيفة. وبعد غدٍ أي دولة تملك مورداً مرغوباً.
عندما يسقط القانون، لا يبقى إلا منطق الغابة.
ما يفعله ترامب اليوم، يقوّض النظام الدولي، يشرعن العدوان، ويحوّل القوة إلى قانون..
هذا ليس “قيادة”، بل بلطجة سياسية عالمية.ليس “أمناً قومياً”، بل اقتصاد سلاح ونهب. ليس “دفاعاً عن القيم”، بل تفويضاً مفتوحاً للقتل والتدمير.. إذا سُكت عن فنزويلا اليوم، فلن يبقى غداً، لا سيادة، ولا حصانة، ولا قانون، وسيكتب التاريخ أن الحقيقة لم تكن غائبة،
بل أُقصيت عمداً وأُلقي بالقانون الدولي تحت أقدام الأقوياء…
مكاريو٢١ مارسيل راشد
Macario 21 News