جدل واسع بعد مقابلة مستشار بري علي حمدان مع الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد

في بلدٍ يعيش على وقع الانهيار السياسي والاقتصادي، لم يعد الجدل يدور حول تفاصيل إعلامية معزولة، بل حول مسار كامل من التآكل في المعايير الوطنية والسياسية، حيث تختلط المهنية بالسياسة، ويُترك الرأي العام أمام وقائع تُقدَّم على أنها “طبيعية” رغم أنها تمسّ جوهر الحساسية الوطنية في لبنان.

المقابلة التي أجراها علي حمدان، المستشار السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، مع الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، ليست حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه بخفة. حمدان يشغل موقعًا سياسيًا قريبًا من أحد أهم مراكز القرار في الدولة اللبنانية، ما يجعل أي ظهور له في سياق من هذا النوع موضع مساءلة سياسية، لا مجرد نقاش إعلامي.

أما باراك رافيد، فهو صحفي إسرائيلي خدم سابقًا في الجيش الإسرائيلي ضمن وحدة استخباراتية معروفة، قبل أن ينتقل إلى العمل الصحفي في تغطية الشؤون السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية والدولية. هذه الخلفية ليست تفصيلًا ثانويًا في بلد مثل لبنان، حيث العلاقة مع إسرائيل ما زالت محكومة رسميًا باعتبارها عدوًا، وبحيث تبقى أي أشكال التواصل أو التطبيع موضع حساسية سياسية وشعبية وقانونية.

هنا لا يعود السؤال تقنيًا: هل يحق إجراء مقابلة؟ بل يصبح السؤال أعمق وأكثر إيلامًا: كيف يُعاد تطبيع ما كان يُعدّ حتى وقت قريب خطًا أحمر، عبر بوابة الإعلام، ومن دون أي نقاش وطني جدي حول الحدود والمعايير؟

في لبنان، المشكلة لم تعد في حادثة واحدة، بل في نمط متكرر: انزياح تدريجي في المواقف، وتوسّع في هامش “المقبول” سياسيًا وإعلاميًا، بينما تبقى الدولة عاجزة عن إنتاج خطاب واضح وموحد يحدد ما هو مسموح وما هو مرفوض في العلاقة مع العدو. وفي هذا الفراغ، يتقدم الأفراد والمؤسسات بخياراتهم الخاصة، وكأن كل طرف بات يدير سياسته الخارجية على طريقته.

الأخطر في المشهد ليس المقابلة بحد ذاتها، بل ما تكشفه من واقع أوسع: طبقة سياسية وإعلامية تتعامل مع الملفات الحساسة كأنها تفصيل قابل للتأويل، بينما يعيش الناس نتائج الصراع الحقيقي على الأرض، من اعتداءات وتهديدات وضغوط مستمرة، تجعل من أي تطبيع – حتى لو كان غير مباشر – مسألة لا يمكن فصلها عن الوجع اليومي للبنانيين.

في المقابل، يُطلب من الرأي العام التعامل مع هذه التحولات بهدوء، وكأنها تطور طبيعي في مسار “الانفتاح”، بينما لا يتم فتح أي نقاش جدي حول كلفة هذا الانفتاح، وحدوده، ومن يملك حق اتخاذه باسم البلد.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف حول مقابلة إعلامية، بل اختبار حقيقي لفكرة السيادة السياسية في لبنان: هل ما زال هناك قرار وطني واضح في القضايا الكبرى، أم أن البلد يُدار عبر توازنات متفرقة، حيث يفتح كل طرف نافذته الخاصة على الخارج، دون سقف جامع أو محاسبة حقيقية؟

في النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام أخطاء فردية تتكرر، أم أمام مسار سياسي وإعلامي يتشكل بصمت، ويُعاد من خلاله رسم حدود العلاقة مع العدو، بعيدًا عن أعين الناس، وبعيدًا عن أي تفويض شعبي حقيقي؟

مكاريو٢١ مارسيل راشد

شاهد أيضاً

ترامب.. من رئيس دولة إلى رئيس عصابة

ما جرى في فنزويلا ليس حادثاً عابراً، ولا “عملية أمنية”، ولا حتى مغامرة سياسية محسوبة. …