ليس مستغربًا أن يصدر عن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي بيان يتهم فيه حزب الله بخرق اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 1900 مرة. هذا خطاب دعائي معروف، يُستخدم لتبرير الاعتداءات اليومية على لبنان ومحاولة قلب صورة المعتدي والضحية.
المستغرب، بل المؤسف، هو أن تُنقل هذه الادعاءات حرفيًا في بعض وسائل الإعلام اللبنانية من دون أي تدقيق أو تحقق أو حتى محاولة لموازنتها بالوقائع الميدانية، وكأنها حقيقة مسلّم بها.
الادعاء بوجود 1900 خرق لم يُرفق بأي دليل علني، ولم يُدعَّم بتقارير مستقلة أو توثيق صادر عن جهة دولية محايدة، كما لم تتبنَّه قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، ولم يؤكده الجيش اللبناني المنتشر جنوب الليطاني.
في المقابل، الواقع على الأرض معروف:
الجيش اللبناني ممسك بالمنطقة، ينتشر ويفتش ويعلن نتائج عملياته بشفافية، ولم يعلن عن وجود مخازن سلاح أو مواقع عسكرية تابعة لحزب الله ضمن نطاق انتشاره.
بل إن حوادث موثّقة أظهرت كيف سقطت الذرائع الإسرائيلية بعد تفتيش رسمي وعدم العثور على أي سلاح، ما يضع علامات استفهام كبرى حول مصداقية الاتهامات المتكررة.
في الوقت نفسه، لا تحتاج الاعتداءات الإسرائيلية إلى أي تفسير أو اجتهاد، فهي موثّقة يوميًا بغارات جوية، وصواريخ تطلقها المسيّرات، واغتيالات متفرقة، وتحليق دائم للطيران الحربي، وهي أفعال لا تنكرها إسرائيل نفسها.
ورغم هذا الخلل الفاضح في ميزان الوقائع، يُعاد استخدام تعبيرات عامة من نوع “خروقات من الطرفين”، وهي لغة لا تعكس حقيقة ما يجري بقدر ما تميّعه، وتفتح الباب أمام تبرير التصعيد بدل ردعه.
هنا تبرز مسؤولية قوات الأمم المتحدة في استخدام لغة واضحة لا تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، فالغموض في توصيف الخروقات لا يُعد حيادًا بل تقصيرًا عن قول الحقيقة كاملة.
أما الإعلام اللبناني، فمسؤوليته لا تقل خطورة، إذ إن نقل بيانات عسكرية صادرة عن جيش احتلال من دون سؤال أو تدقيق أو عرض للوقائع المقابلة ليس مهنية ولا موضوعية، بل مساهمة غير مباشرة في تضليل الرأي العام.
الجنوب ليس ساحة روايات متقابلة، بل أرض يعيش أهلها تحت القصف والتهديد اليومي، والحقيقة فيه ليست وجهة نظر، بل وقائع ملموسة، وأي صمت أو مساواة لغوية بين الجلاد والضحية هو تشويه لهذه الحقيقة، ومشاركة في ظلمها.
ليتقي الله كل من يشوه الحقيقة، فالأحداث على الأرض واضحة، وبيانات إسرائيل لم تعد خافية على أحد، فقد أصبح معروفًا أنها تعتمد على التهويل والكذب. أما بعض وسائل الإعلام اللبنانية التي تتبع سياسة معادية لحزب الله، فلكلٍ وجهة نظرها في الداخل، لكن عندما يتعلق الأمر بالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، فلا يجوز أن يتحيز أحد ضد الحق أو يغض الطرف عن الواقع. المطلوب ببساطة أن تُنقل الحقيقة كما هي: حزب الله جزء من لبنان، والاعتداءات المستمرة على الجنوب لا تهدد جهة واحدة فقط، بل الأمن اللبناني كله، ومن يتصدى لها اليوم فلن يكون وحده المستهدف إذا تصاعدت الأمور، بل سيصبح لبنان بأسره هدفًا.
مكاريو٢١ مارسيل راشد
Macario 21 News