جعيتا: الدولة التي تحاسب المواطن… وتُعفي نفسها

مكاريو٢١ _انتشر في الأيام الأخيرة فيديو لاحتفال داخل مغارة جعيتا، أحد أهم وأجمل المواقع الطبيعية في لبنان، والمصنّف رسميّاً كموقع يجب الحفاظ على الصمت التام بداخله، حيث يُمنع التصوير والموسيقى والضوضاء منعاً باتّاً لحماية التكوينات الجيولوجية الحساسة.

لكنّ الفيديو الذي ظهر لم يكن زيارة عادية.

قارب يحمل عروساً وعريساً، كاميرات تصوير، موسيقى، إضاءة… مشهد أقرب إلى إعلان تجاري أو فيديو كليب، داخل موقع يفترض أن يكون محمياً.

وزارة السياحة أعلنت أنها لم تصدر موافقة رسمية لهذا الزفاف، وأن الأمر يخضع للتحقيق.

لكن الغضب الشعبي لم ينتهِ هنا.

بعدها ظهر فيديو آخر، هذه المرّة للوزيرة لورا الخازن لحود داخل المغارة، محاطة بكاميرات وموسيقى خلال نشاط افتتاحي. الوزيرة اعترفت بأن الفيديو لها فعلاً، لكنها قالت إنه ليس من العرس.

ونحن لا نقول إنها حضرت العرس — هذا واضح.

لكن السؤال الجوهري ليس: هل الوزيرة كانت في الزفاف؟
السؤال هو: كيف تمنع الدولة المواطنين من التصوير والموسيقى داخل الموقع بينما تسمح بذلك لنشاط رسمي؟

القانون يجب أن يكون واحداً على الجميع — مواطن أو وزير.

من سمح بالزفاف؟ ومن هم العروس والعريس؟
حتى لحظة كتابة هذا المقال:

لم يتم الكشف عن هوية العروس والعريس.

لا يوجد توضيح من الدولة حول كيف سُمح لهما باستخدام موقع محمي.

لم تُعلن أي جهة كم دفعوا أو لمن دفعوا ليُسمح لهم بتنظيم حفل خاص داخل مغارة تُمنع فيها حتى صورة تذكارية.

هذه الأسئلة مشروعة، وليست تشهيراً:

من يملك القدرة على حجز مغارة جعيتا لحفل خاص؟
ومن يملك سلطة تجاوز قوانين بيئية وسياحية صارمة؟
وهل أصبح التراث الطبيعي ملكاً لمن يدفع أكثر؟

الشفافية ليست ترفاً. إنها واجب.

في دولة تحترم نفسها…
في الدول التي تحترم القانون:

الوزير يُعلّق مهامه مباشرة عند أول شبهة تضارب مصالح.

تُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة.

تُنشر نتائج التحقيق للرأي العام.

الاستقالة ليست إدانة.
الاستقالة هي احترام للموقع والقانون والناس.

أما في لبنان:
المواطن يُحاسَب فوراً…
والمسؤول يطلق التحقيق بنفسه.

فجوة الثقة
كيف تُقنع الناس أن الأوامر «صارمة» عندما يشاهدون الوزير في فيديو داخل الموقع نفسه بكاميرات وموسيقى؟

كيف تطلب من الطالب مستقبلاً أن يحمي البيئة، بينما الدولة تتعامل مع أهم موقع طبيعي كمنصة تصوير؟

الدولة السيادية تبدأ من هنا:
من احترام القانون داخل حدودها، وبيد مسؤوليها أولاً.

جعيتا ليست مجرد مغارة.
إنها اختبار بسيط جداً للدولة:

هل القانون فوق الجميع… أم فوق الناس فقط؟

إذا كانت الدولة تريد استعادة ثقة الناس، فالإجابة واضحة:

المحاسبة تبدأ من الأعلى.
من أصحاب القرار قبل أصحاب العرس.

شاهد أيضاً

كشف الحقيقة: من محمد عفيف إلى الجيش اللبناني سقوط رواية إسرائيل أمام الواقع

في زمن الحروب، لم تعد المعركة مجرد تبادل للنيران، بل أصبحت معركة روايات وصور وحقائق. …