في الأول من آب من كل عام، يحتفل اللبنانيون بعيد الجيش. لكن هذا العام، وفي ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد، لم يعد مجديًا الاكتفاء بالتهاني والخطابات التقليدية. بل صار من واجبنا أن نرفع الصوت، لا من باب المعارضة، بل من موقع الإيمان بالمؤسسة العسكرية، وبحقها الكامل بأن تكون العمود الفقري للدولة، لا مجرد عنوان للوحدة في المناسبات.
إذا كانت السلطة السياسية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية والحكومة، جادة فعلًا في بناء دولة عادلة وقادرة، فعليها أن تبدأ من الجيش. من تأمين كرامته، منحه حقوقه، وتثبيت استقلالية قراره. فالجيش لا يُبنى بالشعارات، بل بسياسات واضحة تكرّس دوره وتُعزز إمكانياته.
أول ما يحتاجه الجيش هو حياة كريمة لعناصره وضباطه. لا يجوز أن يبقى العسكري اللبناني يعيش تحت ضغط اقتصادي مهين، في بلد تنهار فيه الليرة والأسعار بلا ضوابط. راتب العسكري يجب أن يؤمّن الحد الأدنى من الكرامة له ولعائلته: سكن لائق، طبابة محترمة، تعليم جيد، وضمان لشيخوخة آمنة. لا يمكن لمن يسهر على أمن الوطن أن يُترك مهددًا في أمنه الاجتماعي.
كما يحتاج الجيش إلى تسليح حقيقي، متطور، وفعّال. ما يُقدَّم له اليوم، رغم بعض المساعدات المشكورة، لا يكفي لحمايته ولا لحماية لبنان من أي خطر خارجي. لا يمكن بناء جيش ردعي من دون أسلحة متطورة وتدريب دائم وتجهيزات لوجستية شاملة. ومن غير المقبول أن يبقى الجيش رهينة ما تجود به الدول المانحة، وفق شروط وقيود تمسّ بسيادة قراره.
وهنا نصل إلى لبّ الإشكالية. تُرفع اليوم شعارات حصرية السلاح بيد الدولة، وتُوجَّه دعوات متكررة للمقاومة لتسليم سلاحها. لكن هل يُمنح الجيش أصلًا السلاح الذي يمكّنه من حماية لبنان؟ وهل يُسمح له باتخاذ القرار الحر في مواجهة أي تهديد، وفي مقدمتها التهديدات الإسرائيلية المتكررة؟
الواقع يُظهر أن ما يُقدَّم للجيش من تسليح لا يرقى إلى مستوى التحديات، وغالبًا ما يكون مشروطًا، أو محدودًا في نوعيته ووجهة استخدامه. فكيف يُطلب من المقاومة التخلي عن سلاحها، بينما الجيش لا يُجهز بما يكفي ولا يُترك له هامش حرية كافٍ ليكون هو الحامي الوحيد للسيادة؟
الجيش اللبناني، بمؤسسته وضباطه وعناصره، هو مؤسسة وطنية جامعة، عنوانها الشرف والتضحية والوفاء. ولو أن ما يُمنح له من قدرات وسلاح واستقلالية، يتيح له حماية الوطن بوجه أي اعتداء، لكانت المقاومة نفسها أول من يضع سلاحها بثقة بين يديه.
وإذا أردنا فعلًا بناء دولة، فعلينا أن نبدأ بإبعاد القرار العسكري عن الحسابات السياسية والطائفية. أن تكون التعيينات داخل المؤسسة مبنية على الكفاءة لا على الانتماء. أن يتسلّم الضابط موقعه استنادًا إلى إنجازاته لا إلى مرجعيته. فالجيش لا يمكن أن يكون جيش الوطن إذا ظلّ أسير التوازنات والمحسوبيات.
نقول للرئيس جوزاف عون، وللحكومة اللبنانية، إن كنتم فعلاً تريدون للجيش أن يكون الحامي الوحيد للبنان، فابدأوا بمنحه حقوقه، وبتحرير قراره، وتسليحه بما يليق بمؤسسة يُطلب منها أن تواجه ما لا تواجهه جيوش دول كاملة. لا تجعلوه حارسًا بلا سلاح، ولا تدفعوه إلى الواجهة ثم تتركونه يتلقى الضغوط وحده.
في هذا العيد، لا نريد التهاني، بل نطالب بالعدالة للجيش. نريد عيدًا مقبلًا نحتفل فيه بمؤسسة عسكرية مستقلة القرار، قوية التسليح، محمية الكرامة، وموحدة لكل اللبنانيين. نريد عيدًا يكون فيه الجيش سيد نفسه، لا مرتهنًا لأي سفارة أو حساب سياسي.
كل عام وجيش لبنان بخير. كل عام ولبنان أقرب إلى الدولة التي نحلم بها.
مكاريو٢١ مارسيل راشد
Macario 21 News