في عزّ الضجيج الدولي حول سلاح حزب الله، وبين بيانات “القلق” و”الدعوات إلى التهدئة”، يتناسى كثيرون جوهر القضية: لبنان لا يزال تحت الاحتلال. نعم، هناك خمس نقاط حدودية أساسية لا تزال إسرائيل تحتلها أو تنتهكها بشكل يومي، بالإضافة إلى خروقات متكررة للقرار 1701 عبر الأجواء والاغتيالات والاستفزازات.
هذه الوقائع وحدها تكفي لتُسقط كل منطق “نزع السلاح أولاً”، وتطرح السؤال الحقيقي:
هل يُطلب من بلدٍ مُعتدى عليه أن يُجرد نفسه من أدوات الردع قبل أن يخرج المحتل من أرضه؟
حزب الله ما زال يردع
لو أن حزب الله فقد فعاليته العسكرية، لما سمعنا هذا الكم من التهديدات من قادة إسرائيل.نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية ووزراء حكومته، الجميع يصيح، لكن أحدًا لا يجرؤ على التنفيذ. هذه ليست مجرد صرخات سياسية، بل تعبير عن مأزق عسكري حقيقي. إسرائيل تعرف أنها عاجزة عن شن حرب برية شاملة في الجنوب، لأنها تدرك أن الكلفة ستكون هائلة.
في المقابل، حزب الله ما زال يمتلك القدرة على شلّ الجبهة الداخلية الإسرائيلية في أي مواجهة مفتوحة. الصمت في مستوطنات الشمال، واستمرار التهجير، والخوف من ضربات دقيقة وعميقة… كلها دلائل على أن ميزان الردع ما زال قائمًا، رغم كل الضغوط والضجيج الإعلامي.
خطة توم باراك… بلا توازن
المبعوث الأميركي توم باراك طرح مؤخرًا خطة لحل الأزمة، تضمنت نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي “مدروس” من بعض المناطق، وإطلاق مشاريع دعم اقتصادي وإصلاحات.
لكن هذه الخطة تعكس منطقًا مقلوبًا: تطلب من اللبنانيين أولًا نزع سلاح المقاومة، بينما الاحتلال قائم والغارات مستمرة!
أي طرح من هذا النوع يُفرغ السيادة اللبنانية من مضمونها، ويحوّل الدولة إلى حارس حدود لإسرائيل، لا إلى حامية لكرامة شعبها.
السلاح والشرعية: من خارج الدولة إلى فوق الدولة
يُقال كثيرًا: لا سلاح خارج الدولة. لكن في الواقع، المشكلة ليست في مَن يحمل السلاح فقط، بل في مَن يُهدد البلد بلا مساءلة.
السلاح الإسرائيلي الذي يخترق السيادة الجوية والبرية والبحرية يوميًا، ألا يُعتبر خارجًا عن القانون الدولي؟
ومن يحاسب إسرائيل على انتهاكاتها المتكررة؟ ومن يضمن للبنان أمنه في حال تخلى عن عناصر قوته الذاتية؟
حزب الله ليس خارج الدولة كما يُشيع البعض، بل هو في موقع دفاعي فرضه غياب الحماية الدولية والمظلة السيادية الحقيقية. وجوده لم يُمنع في أي اتفاق رسمي لبناني داخلي، بل وُضع في خانة “الدفاع المشروع” ببيانات الحكومة منذ اتفاق الطائف وصولًا إلى البيانات الوزارية المتتالية.
لا نزع… قبل انسحاب
الخطة الأميركية، أو غيرها، يمكن مناقشتها فقط إذا بُنيت على قاعدة واحدة:
انسحاب إسرائيل أولًا. ثم بناء إستراتيجية دفاع وطني تُناقش فيها كل عناصر القوة، ضمن إطار سيادي لبناني صرف.
أي طرح مغاير هو مجرد تسليم مجاني لإرادة العدو.
من يسعى لنزع السلاح الآن، في هذا التوقيت، لا يبحث عن مصلحة لبنان بل يُكرر صدى المطالب الإسرائيلية التي لم تتغيّر منذ عام 2000.
نحن لا نقدّس السلاح، لكننا نرفض أن يُطلب من اللبناني أن يُعرّي نفسه ويترك مقاومته، في وقتٍ لم تخرج فيه إسرائيل من أرضه، ولم تتوقف عن قتل أبنائه، ولم تلتزم بقرارٍ واحد من قرارات الشرعية الدولية.
السلاح ليس قدرًا، لكنه ليس أيضًا مشكلة يجب نزعها تحت التهديد أو الجوع أو التفاوض بالإكراه.
السلاح يصبح جزءًا من الدولة عندما تَمتلك الدولة القرار السيادي الكامل، وعندما يتوقف الخطر الخارجي عن ابتلاع ما تبقى من الكرامة الوطنية.
حتى ذلك الوقت، كل دعوة لنزع سلاح المقاومة، هي دعوة لفتح حدودنا أمام العدو، وإعلان استسلام ناعم تحت اسم “الحياد” أو “الدولة القوية”.
لكن الدولة لا تكون قوية بنزع السلاح… بل بإجبار الاحتلال على الرحيل.
مكاريو٢١ مارسيل راشد
Macario 21 News