في اللحظة التي سقط فيها صاروخ إيراني قرب قاعدة “العديد” الأميركية في قطر، اهتزت العناوين العربية على وقع “الانتهاك”، وخرجت الإدانات واحدة تلو الأخرى، تندد بما وصفته بـ”الخرق السافر لسيادة دولة شقيقة”. موقف مبدئي لا غبار عليه – فالسيادة الوطنية لأي دولة ليست محل مساومة – لكن اللافت هنا، بل الصادم، هو من نطق بهذه الكلمات.
السعودية، الإمارات، البحرين، مصر… دول اعتادت أن تكمم أفواه الشعوب باسم “أمن المنطقة”، هي ذاتها التي حاصرت قطر في 2017، فخنقتها برًا وبحرًا وجوًا، وحرمتها حتى من الدواء والطعام، لا لسبب حقيقي سوى أنها “لم تصطف كما يجب” خلف القرارات الأميركية والإسرائيلية.
وفي ذلك الحصار، لم يمد يد العون للدوحة إلا من اختار الوقوف ضد الاستفراد السياسي والإنساني: إيران فتحت أجواءها وقدّمت الغذاء، وتركيا أنشأت جسرًا جويًا وبحريًا لنقل المواد الأساسية، كما دعمتها عُمان والكويت بمواقف متوازنة، بينما استمرت باكستان والهند في تصدير المواد الحيوية من دون انجرار إلى لعبة الابتزاز الخليجي.
واليوم، حين تسقط صواريخ إيرانية قرب قاعدة أميركية – لا قطرية – في سياق رد على عدوان أميركي صريح، تصبح السيادة فجأة “خطًا أحمرًا” لا يُغتفر تخطيه؟
نعم، ما فعلته إيران هو خرق لسيادة قطر، ولا يجب تبريره أو التهوين من رمزيته. لكن، هل هو نفسه كالذي ارتُكب في حق قطر لسنوات من قبل “أشقائها”؟
هل إعلان طهران الصريح أنها لم تستهدف قطر، وتأكيدها أنها “شقيقة” لها، يساوي إغلاق حدودها وخنق اقتصادها وتحريض شعوبها ضدها؟ هل يمكن مقارنة صاروخ تحذيري، لم يسقط على بيت ولا مستشفى، بحصار شامل أراد تركيع دولة بأكملها تحت ذريعة “تمويل الإرهاب”، بينما المقصود هو أنها تجرّأت ودعمت المقاومة الفلسطينية ورفضت بيع الموقف من غزة للبترودولار؟
المفارقة الأقسى هي في هذه “الصحوة الإنسانية” التي تملّكت العواصم المنددة: أين كانت هذه الإنسانية عندما كانت رفوف المتاجر القطرية تفرغ؟ عندما كانت الطائرات القطرية ممنوعة من الأجواء؟ عندما كانت تُجرّم كل صلة بأفراد يحملون الجنسية القطرية؟ هل كانت تلك الإجراءات “رأفة بالأمن العربي”، أم تنفيذًا لأجندة تل أبيب من خلال وكلاءها في الخليج؟
إيران ليست ملاكًا، ولا تبرئ كل تحركاتها، لكنها في هذا المشهد لم تطلق صواريخها على الدوحة ولا على أهلها، بل على قاعدة عسكرية أميركية تمثل رأس حربة في استهداف إيران والمقاومة في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك، سارعت إيران إلى التوضيح، والاعتذار الضمني، والتأكيد على احترامها لقطر، وهي خطوة لا نسمعها أبدًا من “التحالف العربي” حين يضرب غزة، أو يهدد لبنان، أو يموّل صفقات “التطبيع الاقتصادي” مع قتلة الأطفال في غزة، وجنين، وخان يونس، وغيرها.
أما الدول العربية التي تندد اليوم باسم السيادة، فهي نفسها التي تمد الصهاينة بالطاقة والمال والتسهيلات الجوية، لتستكمل تل أبيب حصارها لغزة، وتمنع إعادة إعمار لبنان، وتفرض على الفلسطينيين معادلة “الأمن مقابل الخبز”. هؤلاء لا يرون في الاحتلال الإسرائيلي خطرًا على السيادة، لكنهم يرتجفون إذا صرّحت إيران بدعم المقاومة أو لوّحت بردّ على اعتداء.
نحن لا نطلب تبريرًا لانتهاك سيادة قطر، بل نطالب بالعدل في النظر إلى السياقات. فالمعيار الحقيقي ليس في أين سقط الصاروخ، بل لمن كانت الرسالة، وماذا فعل المتلقون من قبل. وكم يبدو مُضحكًا – ومبكيًا – أن قطر، التي لطالما حاولت الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجميع، تجد نفسها اليوم هدفًا لغضب عربي لم يظهر حين كانت تنهار تحت الحصار، بل حين اهتز جدار قاعدة أجنبية على أرضها.
الدرس الأهم من هذه اللحظة هو أن العرب – أو على الأقل من يتحدث باسمهم – لا يغضبون لكرامة قطر، بل يغضبون فقط حين تمسّ إيران منظومة الهيمنة الأميركية التي هم جزء منها. وما دام ميزان السيادة يُوزن بمكيال المصلحة الأميركية والإسرائيلية، فليعلم أهل قطر وفلسطين ولبنان، أن السيادة في عرف بعض العرب، لا تُنتهك إلا إذا أزعجت سيدهم، لا إذا جاعت شعوبهم.
مكاريو٢١ مارسيل راشد
Macario 21 News