لا دولة بلا عدالة…محاسبة الجميع وحماية السيادة الوطنية

ليست قضية أنطون الصحناوي مجرد ملف قضائي أو خبر عابر، بل هي امتحان حقيقي لمدى التزام الدولة اللبنانية بقوانينها وثوابتها الوطنية. فحين تظهر شخصيات عامة في لقاءات أو مناسبات تجمعها بقيادات إسرائيلية، يصبح من حق اللبنانيين أن يتساءلوا: هل يطبق القانون على الجميع، أم أن النفوذ والمال يخلقان استثناءات؟

لقد أثارت تصريحات الدبلوماسية الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس، وما تلاها من ظهور أنطون الصحناوي في عشاء حضره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، غضبًا واسعًا في لبنان، وأعقب ذلك تحرك قضائي. ويبقى القضاء صاحب الكلمة الفصل في تحديد المسؤوليات القانونية، لكن الرأي العام يملك كامل الحق في مساءلة الشخصيات العامة سياسيًا وأخلاقيًا.

غير أن المسألة لا تقف عند حدود شخص واحد. فمن وجهة نظرنا، فإن أي انفتاح رسمي أو غير رسمي على إسرائيل يستحق القدر نفسه من المساءلة. وإذا كانت الدولة تتمسك بقوانينها التي تنظم العلاقة مع إسرائيل، فإن هذه القوانين يجب أن تطبق بمعيار واحد، لا أن تُستخدم على أشخاص وتُغفل عن آخرين.

ونرى أن أي مفاوضات مباشرة أو خطوات سياسية تجاه إسرائيل ينبغي أن تخضع لنقاش وطني وقانوني شفاف، وأن تُقيَّم على أساس نتائجها واحترامها للقانون والمصلحة الوطنية. كما أن من حق المواطنين انتقاد أداء السلطات إذا اعتقدوا أن سياساتها لم تحقق الأمن أو لم تحفظ الحقوق اللبنانية، بما في ذلك حقهم في المطالبة باستخدام كل السبل القانونية المتاحة للدفاع عن مصالح لبنان أمام الهيئات والمحاكم الدولية.

إن العدالة التي نطالب بها ليست عدالة انتقائية، ولا قضاء يعمل وفق موازين القوى أو الانتماءات الحزبية. ما يحتاجه لبنان هو قضاء مستقل، لا يخضع لأي نفوذ سياسي أو مالي، ولا يميز بين مسؤول ورجل أعمال ومواطن عادي. فسيادة القانون لا تتحقق إلا عندما يخضع الجميع للمساءلة بالمعايير نفسها.

إن الدفاع عن سيادة لبنان لا يكتمل بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع، وبإقامة مؤسسات قادرة على محاسبة كل من يشتبه في مخالفته للقانون، بعيدًا عن الانتقائية، وبعيدًا عن الحصانات غير المعلنة.

فالأوطان لا تُبنى بازدواجية المعايير، ولا تُحمى عندما يصبح القانون صارمًا على الضعفاء ومتساهلًا مع أصحاب النفوذ. وحدها العدالة المستقلة، والشفافية، والمحاسبة المتساوية، هي التي تمنح اللبنانيين الثقة بأن وطنهم لا يزال دولة قانون، لا دولة استثناءات.

وفي الختام، نوجّه رسالة واضحة إلى رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية: إن مسؤوليتكم الأولى هي حماية السيادة الوطنية والدفاع عن مصالح لبنان، لا منح الاحتلال فرصة لاستثمار أي مسار تفاوضي في ترسيخ وقائعه على الأرض. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى وقف أي مفاوضات مباشرة مع العدو الاسرائيلي وتعليقها ما دام الاحتلال قائمًا، إلى حين الانسحاب الكامل من آخر شبر من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات والانتهاكات بحق لبنان.

فلا مفاوضات تحت النار، ولا اتفاقات في ظل الاحتلال، ولا يمكن لأي حوار أن يكون متكافئًا بينما تستمر الاعتداءات وفرض الوقائع بالقوة. ونرى أن أي مسار تفاوضي يجب أن ينطلق من احترام سيادة لبنان وحقوقه، لا من واقع الإكراه الذي يفرضه استمرار الاحتلال.

كما نؤكد أن على الدولة اللبنانية أن تتمسك بجميع الوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة للدفاع عن حقوق لبنان، وأن تحرص على ألا تُستغل أي تفاهمات أو ترتيبات لتبرير اعتداءات أو انتهاكات جديدة. فالتاريخ لن يرحم المتقاعسين عن حماية السيادة، ولن يغفر لأي سلطة تتهاون في صون الحقوق الوطنية أو تتخلى عن واجبها في الدفاع عنها.

تذكروا أن مسار المفاوضات الذي انتهجتموه، منذ انطلاقه وحتى اليوم، لم يحقق للبنان أمنًا ولا استقرارًا، بل تزامن مع استمرار الاعتداءات وسقوط الضحايا والدمار والخطف والانتهاكات. وفي المقابل، تواصل إسرائيل الاستناد إلى التفاهمات والاتفاقات القائمة لتبرير اجرامها وعدوانها أمام المجتمع الدولي.

أفلا تسمعون صرخات الناس؟ أفلا ترون حجم الخسائر التي يتكبدها جنوب لبنان وكل البلاد؟
أما آن الأوان لإعادة النظر في هذا النهج، والتوقف عن سياسات لم تحقق ما وُعد به اللبنانيون؟
إن المسؤولية الوطنية تفرض مراجعة جادة، لا مكابرة، وتفرض قرارات تحمي لبنان وسيادته، لا مسارات تزيد الانقسام وتثير الشكوك حول جدواها ومآلاتها.

مكاريو٢١ مارسيل راشد

شاهد أيضاً

بين الدعاية العسكرية والسيطرة الفعلية: ماذا تكشف صور قلعة الشقيف؟

أثارت الصور التي نشرها المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي لجنود داخل قلعة الشقيف جدلاً واسعاً …