انهيار النظام العالمي بدأ فعلاً: الملياردير الذي يتنبّأ بحرب كبرى بين أمريكا والصين يحذّر من مستقبل قاتم

العالم الذي نعرفه بعد الحرب العالمية الثانية انتهى رسميًا… هذا ليس عنوانًا صحفيًا مثيرًا، بل خلاصة ما يراه أحد أبرز العقول الاستثمارية في وول ستريت: راي داليو.

داليو هو مؤسس شركة بريدجووتر أسوشييتس، التي كانت أكبر صندوق تحوط في العالم لعقود، وتجاوزت أصولها تحت الإدارة في ذروتها 150 مليار دولار. وهو أيضًا مؤلف كتاب المبادئ وكتاب مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير.

لكنه لا يقدّم نفسه كمستثمر فحسب، بل كمؤرّخ للدورات الكبرى؛ يدرس صعود وسقوط الإمبراطوريات منذ خمسة قرون، من الصين القديمة إلى بريطانيا وأمريكا، ليستنتج أن القوى العظمى تخضع لأنماط متكررة يمكن رصدها وفهمها. وفي تحليلاته الأخيرة، يعلن بوضوح: النظام العالمي الذي تأسس بعد 1945 قد انهار، ودخلنا مرحلة صراع قوى عظمى جديد.

في هذا المقال، نفكك رؤيته:
ماذا يعني أننا دخلنا “المرحلة السادسة” من الدورة الكبرى؟
كيف تتحول الحروب الاقتصادية إلى حروب عسكرية؟
ولماذا يشبه ما يحدث بين أمريكا والصين اليوم، بشكل مقلق، ما حدث قبل الحرب العالمية الثانية؟

أولًا: كيف انهار النظام العالمي بعد 1945؟

في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2026، لم يعد الحديث يدور حول “تراجع النظام”، بل حول موته فعليًا. قادة أوروبيون وأمريكيون تحدثوا بصراحة عن دخول العالم عصرًا جيوسياسيًا جديدًا، وأن القواعد التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تعد تعمل كما كانت.

يترجم داليو هذا التحول بلغة “الدورة الكبرى”. فهو يرى أننا دخلنا “المرحلة السادسة” من دورة النظام الخارجي، وهي المرحلة التي تنهار فيها القواعد، وتضعف المؤسسات الدولية، وتعود قاعدة “القوة تصنع القانون” بدلًا من “القانون يقيّد القوة”.

أي نظام مستقر يحتاج إلى أربعة عناصر:
قوانين واضحة، آلية لصنع هذه القوانين، جهاز لتنفيذها، وعقوبات فعّالة. وعلى المستوى الدولي، هذه العناصر ضعيفة أو شبه غائبة. فعندما تتصادم مصالح القوى الكبرى، لا توجد جهة تعلو عليها فعليًا وتفرض الانضباط.

لقد حاول العالم سابقًا إنشاء مؤسسات لتنظيم العلاقات الدولية، لكن هذه المؤسسات لم تمتلك قوة أو ثروة تفوق القوى الكبرى نفسها، ما جعلها عاجزة حين تتعارض المصالح الحيوية للدول العظمى مع قرارات النظام الدولي. ومع تصاعد الأزمات، يعود العالم إلى منطق الصراع المباشر.

ثانيًا: تشابه مقلق مع ثلاثينيات القرن الماضي

يؤكد داليو أن الدورة بين النظام والفوضى تتكرر داخليًا داخل الدول وخارجيًا بينها، لكن على المستوى العالمي تكون أطول وأشد عنفًا. ويستشهد بتاريخ أوروبا منذ عام 1500، حيث شهدت ثلاث دورات كبرى من الصعود والسقوط استمرت كل منها نحو 150 عامًا.

تبدأ هذه الدورات بفترات طويلة من السلام والازدهار — مثل عصر النهضة، وعصر التنوير، والثورة الصناعية — لكنها تزرع في داخلها بذور الصراع. فالثروة تولّد فجوات، والطموحات تتضخم، والتنافس على النفوذ يحتدم، لينتهي الأمر بحروب كبرى تعيد تشكيل النظام من جديد.

يربط داليو بين الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي وصعود القومية المتطرفة والشعبوية، وبين ما نشهده اليوم من استقطاب داخلي حاد في دول كبرى، وتوترات اقتصادية ومالية عميقة، ومعارك حول إعادة توزيع الثروة.

برأيه، نحن أمام لحظة مشابهة:
نظام قديم يضعف، قوى جديدة تطالب بتغيير القواعد، صراعات على الموارد والهيمنة التجارية والتكنولوجية، وشعوب تشعر بأن النظام لم يعد يعمل لصالحها. وعندما تضعف القواعد المشتركة، يرتفع احتمال الانزلاق إلى نزاعات كبرى تعيد تشكيل العالم.

ثالثًا: من حرب اقتصادية إلى مواجهة عسكرية

يطرح داليو إطارًا واضحًا لأنواع الحروب بين الدول:
حروب تجارية واقتصادية، حروب تكنولوجية، حروب رأسمالية ومالية، حروب جيوسياسية، ثم في النهاية الحروب العسكرية.

غالبًا ما تبدأ النزاعات في المراحل الأربع الأولى: رسوم جمركية، قيود على الصادرات، منع نقل التكنولوجيا الحساسة، عقوبات مالية، حصار اقتصادي، وصراعات نفوذ إقليمي. وإذا فشلت التسويات واستمر التصعيد، قد تتحول هذه المواجهات إلى صدام عسكري مباشر.

يرى داليو أن الولايات المتحدة والصين منخرطتان بالفعل في حرب تجارية وتكنولوجية ومالية وجيوسياسية:
قيود على الشرائح والذكاء الاصطناعي، تضييق على الاستثمارات المتبادلة، تنافس حاد على النفوذ في آسيا، وصراع حول تايوان والمحيطين الهندي والهادئ.

ويحذر من نقطتين أساسيتين:
الحروب تدور حول الثروة والقوة والأيديولوجيا المرتبطة بهما، ومعظمها لا يبدأ بإطلاق النار، بل بسلسلة من الضغوط الاقتصادية والمالية والتكنولوجية التي تتصاعد تدريجيًا. والخطر أن امتلاك الطرفين قدرات عسكرية متقاربة نسبيًا، مع حساسية ملف تايوان، قد يحوّل “حرب كل شيء ما عدا الرصاص” إلى مواجهة عسكرية إذا فشل الردع والتفاهم.

رابعًا: حروب المال ورأس المال

يضيف داليو بعدًا بالغ الأهمية: النظام المالي نفسه يمكن أن يتحول إلى سلاح.

هناك ثلاث أدوات رئيسية في حروب رأس المال:
تجميد أو مصادرة الأصول، منع الوصول إلى أسواق رأس المال، والحصار التجاري.

تجميد الأصول يعني منع دولة من استخدام احتياطياتها أو أصولها في الخارج، وقد يصل الأمر إلى نقاشات حول عدم سداد ديون لصالح دولة منافسة.
أما منع الوصول إلى أسواق رأس المال، فيحرم دولة من الاستدانة أو طرح سنداتها وأسهم شركاتها في أسواق أخرى.
والحصار التجاري يمكن أن يخنق اقتصاد دولة خلال سنوات قليلة، ويدفعها إلى خيارين: التراجع أو المواجهة.

يحذر داليو من أن توسع استخدام هذه الأدوات يسرّع تفكك النظام المالي العالمي الموحد، ويدفع الدول إلى بناء تكتلات مالية وأنظمة مدفوعات بديلة خارج هيمنة قوة واحدة. ومع تعدد هذه الكتل، يصبح العالم أقل ترابطًا وأكثر عرضة للصدام.

خلاصة: رؤية راي داليو ليست نبوءة حتمية بالحرب، بل قراءة لدورة تاريخية يرى أنها تتكرر.
عندما تتراكم الديون، وتتسع الفجوات الاجتماعية، وتضعف المؤسسات، ويشتد التنافس بين قوة مهيمنة وقوة صاعدة، يدخل العالم مرحلة خطرة من إعادة التشكيل.

السؤال ليس إن كان النظام العالمي يتغير — فهو يتغير بالفعل — بل كيف سيتم هذا التغيير:
عبر إدارة عقلانية للصراع وتحديث القواعد، أم عبر صدام كبير يعيد رسم الخريطة بالقوة؟

وفق داليو، نحن نقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتحدد ملامح النظام العالمي القادم.

المصدر: عربي بوست

شاهد أيضاً

اليوم الثالث للنزوح: فوضى إغاثية وتراجع غير مسبوق في التضامن

كتبت ندى ايوب في جريدة الأخبار: في اليوم الثالث للحرب الإسرائيلية على لبنان، لم يطرأ …