بين الموقف الوطني والصورة التذكارية.. الوفد العسكري يقول ما عجز كثيرون عن قوله

شهدت جلسة المفاوضات التي عُقدت أمس بين الوفد اللبناني والوفد التابع للكيان الإسرائيلي، برعاية ووساطة أميركية، نقاشات تناولت ملفات حساسة تتصل بالوضع الحدودي والاعتداءات المستمرة والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة والضمانات الأمنية المطلوبة. وكما جرت العادة في مثل هذه اللقاءات، حاولت بعض الجهات التركيز على المشهد البروتوكولي أكثر من جوهر المفاوضات، لتتحول مسألة الصورة التذكارية إلى الحدث الأكثر تداولاً.

لكن ما جرى لم يكن تفصيلاً عابراً.

فقد رفض أعضاء الوفد العسكري اللبناني الوقوف لالتقاط صورة تذكارية مع وفد العدو الإسرائيلي، في موقف حمل دلالات سياسية ووطنية عميقة، وأعاد التذكير بأن لبنان، رغم دخوله أي مفاوضات تفرضها الضرورات الوطنية أو الظروف الأمنية، لا يزال يعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ولا تزال دماء الشهداء وآثار الدمار والاعتداءات ماثلة في القرى والبلدات الجنوبية وفي وجدان اللبنانيين.

المصدر العسكري الذي أوضح لاحقاً خلفية الموقف وضع الأمور في نصابها الصحيح، مؤكداً أن نجاح أي مفاوضات لا يُقاس بالصور التذكارية ولا بالمظاهر البروتوكولية، بل بما تحققه من نتائج تصب في مصلحة لبنان وتحفظ حقوقه وثوابته.

هذا الكلام ليس تفصيلاً أيضاً.

فالعسكريون الذين فقدوا رفاقاً لهم في الاعتداءات الإسرائيلية، والذين يعرفون معنى الشهادة والخدمة والتضحية، يدركون أن التقاط صورة مع ممثلي العدو الإسرائيلي في هذه اللحظة الحساسة قد يُفهم داخلياً وكأنه تجاوز لمشاعر اللبنانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية وحتى اليوم.

لقد حضر الوفد العسكري لتنفيذ مهمة وطنية واضحة ومحددة، ضمن التفويض الممنوح له، بعيداً عن أي استعراض إعلامي أو رسائل دعائية أو محاولات تلميع للمشهد. وهذا ما أكده المصدر العسكري عندما شدد على أن الوفد يتعامل بأعلى درجات المهنية والانضباط والمسؤولية الوطنية.

المشكلة الحقيقية ليست في رفض الصورة، بل في محاولة البعض تصوير هذا الرفض على أنه تشدد أو خطأ في التقدير. والحقيقة أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن البروتوكول يمكن أن يتقدم على الكرامة الوطنية، أو أن المجاملات الدبلوماسية يمكن أن تتجاوز وجع الناس وآلامهم.

لقد أثبت الوفد العسكري أن المؤسسة العسكرية لا تزال تدرك حساسية المرحلة، وتفهم المزاج الوطني العام، وتعرف كيف توازن بين أداء الواجب وبين الحفاظ على الرمزية الوطنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

وفي المقابل، كان لافتاً أن بعض المشاهد المدنية المرافقة للمفاوضات عكست انطباعاً مختلفاً لدى جزء كبير من الرأي العام اللبناني. فلو امتلك أعضاء الوفد المدني الإحساس الوطني نفسه الذي أظهره العسكريون، لربما جاءت الصورة العامة أكثر انسجاماً مع مشاعر اللبنانيين.

وقد أثارت بعض المظاهر والابتسامات والارتياح الظاهر لدى الشخصيات المدنية تساؤلات وانتقادات، خصوصاً عندما بدا المشهد بالنسبة إلى كثيرين بعيداً عن أجواء الحرب والاعتداءات والدمار التي خلّفها العدوان الإسرائيلي في لبنان. وبالنسبة لكثير من اللبنانيين، فإن هذه المرحلة تستوجب قدراً أكبر من الحساسية الوطنية والانسجام مع مشاعر الناس الذين لا تزال آثار الحرب حاضرة في حياتهم اليومية.

إن التفاوض من أجل حماية لبنان واستعادة حقوقه ليس تطبيعاً، لكنه أيضاً لا يفرض التخلي عن الحس الوطني أو تجاهل حقيقة أن الطرف المقابل هو الكيان الإسرائيلي المجرم الذي لا تزال قواته تحتل أراضٍ لبنانية، وأن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف بصورة كاملة.

تحية للوفد العسكري اللبناني الذي أدرك أن الصورة ليست مجرد صورة، وأن الموقف أحياناً يختصر الكثير من الكلام. وتحية لكل من حافظ على المسافة الوطنية والأخلاقية المطلوبة مع العدو الإسرائيلي.

أما الرسالة الأهم، فهي أن لبنان يحتاج إلى مسؤولين يحملون الإحساس الوطني نفسه، ويدركون أن الكرامة الوطنية لا تُقاس بعدد الابتسامات أمام الكاميرات، بل بمدى احترام تضحيات الشهداء ومعاناة الناس والثوابت التي دُفع ثمنها بالدم. فلو امتلك أعضاء الوفد المدني الإحساس الوطني ذاته الذي أظهره العسكريون، لكانت الرسالة اللبنانية أكثر وضوحاً ووحدة في مواجهة العدوان والاحتلال الإسرائيلي.

مكاريو٢١: مارسيل راشد

شاهد أيضاً

الجيش اللبناني حصانة الوطن… ومن يهاجم قائده يغامر بلبنان

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتعرض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لحملة سياسية وإعلامية …