أبو عبيدة.. لسان المقاومة.. حذيفة الكحلوت، صوت من أرض فلسطين المحاصرة إلى سماء الكوكب كله
صار هو متن الخبر الحزين، بعد أن كان هو الذي يحدّث الجماهير فتعلقوا بصوته وكلماته في بلاد العرب وغير العرب وكانوا ينتظرون إطلالته في لثامه الفلسطيني وزيه العسكريّ.
حفظوا عبراته وصرخاته الشهيرة وتداولوها كما تُتداول أقوال الرموز وتتناقل الأمثال السائرة.
أبو عبيدة.. حذيفة سمير الكحلوت، رمز كتائب القسام الذي أصبح، عند الكثيرين، رمزاً عربياً وعالمياً لكل مقاومة ومشروع تحرر
في يوم إعلان استشهاده رسمياً، نتذكر في هذه السلسلة طرفاً من سيرته، وأهم كلماته، وكيف تخطت شعبيته حدود بلاده وبلاد العرب إلى آفاق لم يكن يتخيلها أحد قبل السابع من أكتوبر

أبو عبيدة.. الصوت الذي أخفى الجسد وصنع الرمز
أبو عبيدة، واسمه الحقيقي حذيفة سمير الكحلوت، هو الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الرجل الذي تعمّد منذ ظهوره الأول أن يبقى بلا ملامح وبلا سيرة معلنة، مكتفياً بأن يكون صوتاً عسكرياً يحمل رسائل المقاومة ويترك الجسد في الظل.
وُلد في قطاع غزة منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ونشأ في بيئة فلسطينية محافظة تشكّل وعيها السياسي في ظل الانتفاضات والحصار والاشتباك اليومي مع الاحتلال.
التحق مبكرًا بصفوف كتائب القسام، وعمل داخل وحدات الإعلام العسكري، قبل أن يبرز تدريجيًا كواجهة رسمية للخطاب العسكري، ليصبح منذ حرب 2014 الصوت الأبرز والأكثر حضورًا في بيانات القسام.
تميّز بأسلوب لغوي فصيح، ونبرة هادئة محسوبة، وخطاب يركّز على المعادلات والرسائل الاستراتيجية أكثر من التفاصيل، ما جعله أحد أهم أدوات الحرب النفسية في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
على المستوى الشخصي، بقيت حياة أبو عبيدة العائلية طيّ الكتمان، ولم تُعرف عنه تفاصيل تتعلق بأسرته أو حياته الخاصة، في التزام صارم بقواعد العمل السري. لم تظهر له صورة شخصية، ولم يُكشف اسمه الحقيقي رسميًا، حتى أعلنت القسام عن استشهاده اليوم الإثنين 29 ديسمبر.

أبو عبيدة.. الظهور الأول لصوت القسام ورسالة النار
ظهر للمرة الأولى متحدثًا باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام في تسجيل مصوّر، في مرحلة حساسة أعقبت اغتيال الناطق السابق، حين كانت الكتائب تبحث عن صوت عسكري يجمع بين الرسالة القتالية والانضباط الأمني.
في ذلك الظهور، بدا الخطاب مختلفًا عمّا اعتاده الجمهور؛ لغة عربية فصيحة، نبرة ثابتة، وجُمل قصيرة محسوبة بدقة. لم يكن بيانًا تعبويًا تقليديًا، بل رسالة عسكرية مباشرة تعكس انتقال القسام إلى مرحلة جديدة من المواجهة، تُدار فيها المعركة بالكلمة بقدر ما تُدار بالفعل.
وأبرز ما قاله آنذاك كان تأكيده أن الاحتلال لن ينعم بالأمن ما دام يواصل اعتداءاته، وأن القسام يتحدث بالفعل لا بالوعود، واضعًا معادلة الرد المفتوح دون سقف زمني أو جغرافي. كلمات قليلة حملت تهديدًا واضحًا وغموضًا مقصودًا، شكّلا لاحقًا سمة أساسية لخطابه.
منذ ذلك الظهور الأول، لم يعد أبو عبيدة مجرد ناطق باسم القسام، بل تحوّل إلى صوتها الأبرز وواجهة حربها النفسية، رمزًا يقول القليل ويقصد الكثير، ويصنع من كل إطلالة رسالة تتجاوز اللحظة إلى معادلة في مسار الصراع.

أبو عبيدة.. صوت القسام في مفاصل الحروب والمعارك
كان حاضراً في اللحظات المفصلية لكل مواجهة كبرى خاضتها كتائب الشهيد عز الدين القسام. منذ تثبيت حضوره كناطق رسمي، ارتبط اسمه بالحروب التي شكّلت مسار الصراع، وتحولت إطلالاته إلى مؤشرات سياسية وعسكرية تُقرأ بعناية داخل فلسطين وخارجها.
برز دوره بوضوح خلال حرب 2014 (العصف المأكول)، حيث قدّم خطابًا مختلفًا قائمًا على المعادلات والرسائل المحددة، ثم تعزز حضوره في جولات التصعيد المتكررة بين 2018 و2021، وصولًا إلى معركة سيف القدس التي مثّلت ذروة التحول في الخطاب، حين ربط الميدان بالقدس وفرض معادلة الرد الشامل.
خلال معركة سيف القدس وما تلاها من جولات، ثم في حرب طوفان الأقصى، أصبح أبو عبيدة الصوت الأبرز في إدارة الحرب النفسية، مستخدمًا لغة مختصرة لكنها محمّلة بالدلالات، يعلن فيها بدايات المعارك وتحولاتها دون إسهاب، ويترك للرسالة أن تُحدث أثرها. إطلالاته القليلة كانت كافية لرفع التوتر أو تثبيت معادلة ردع جديدة.

أشهر 5 تصريحات لـ أبو عبيدة التي تحوّلت إلى عناوين مواجهة:
1- خلال حرب العصف المأكول، ردّ أبو عبيدة على تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون بشن حرب برية على غزة، بقوله: «أتتوعدنا بما ننتظر يا ابن اليهودية»، في رسالة تحدٍّ مباشرة عكست مناخ المواجهة المفتوحة آنذاك.
2- ومع اشتداد الإبادة الجماعية والمجاعة في قطاع غزة خلال العدوان، قال: «لتعلموا أن من يصمت عن ظلم أشقائه في العروبة والإسلام، فعليه أن ينتظر دوره في الاستباحة والعدوان»، موجّهًا انتقادًا حادًا لحالة الصمت العربي والإسلامي.
3- وفي سياق الرد على الدعوات المطالِبة بتسليم سلاح المقاومة، شدد أبو عبيدة على أن «شعبنا لن يتخلى عن سلاحه طالما بقي الاحتلال، ولن يستسلم ولو قاتل بأظافره»، مؤكدًا تمسّك المقاومة بخيارها العسكري.
4- وفي خطاب موجّه إلى علماء الأمة وأحزابها، قال: «وللتاريخ وبكل مرارة وألم.. أنتم خصومنا أمام الله عز وجل»، واضعًا الموقف من الصراع في إطار أخلاقي وتاريخي حاد.
5- واختتم العديد من بيانات كتائب القسام بعبارته المتكررة: «وإنه لجهاد نصر أو استشهاد»، التي أصبحت صيغة ختامية ثابتة تختزل فلسفة الخطاب القتالي للحركة.
اعلام فلسطيني
Macario 21 News