في مشهد يختصر الكثير من واقع الجنوب اللبناني، يجد مزارعو العرقوب أنفسهم أمام انتظار موافقة رسمية تتيح لهم الوصول إلى أراضيهم وقطاف موسم الزيتون، فيما لا تزال الموافقة المطلوبة عبر «الميكانيزم» لم تبلغ الجيش اللبناني، بحسب المعطيات المتوافرة.
المسألة هنا ليست مجرد إجراء أمني أو ترتيبات ميدانية مرتبطة بموسم زراعي. القضية تتعلق بحق لبنانيين في الوصول إلى أرضهم واستثمارها وجني محصولهم، وهي حقوق يفترض أن تكون بديهية لأصحاب الأرض، لا امتيازاً يحتاج إلى إذن أو تفاوض.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يُطلب من اللبناني أن ينتظر قراراً يسمح له بالوصول إلى أرضه ورزقه، بينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية في فرض وقائع تتحكم بحياة سكان الجنوب وحركتهم ومصادر رزقهم؟
أين الدول التي طالما قدّمت نفسها حامية للقانون الدولي وحقوق الإنسان؟ وأين الأصوات التي ترتفع سريعاً عندما يتعلق الأمر بانتهاك حقوق طرف من الأطراف، ثم تصبح أكثر هدوءاً عندما يكون الضحية لبنانياً؟
ولنضع المسألة في صورتها المعاكسة: ماذا لو كان اللبنانيون هم من يمنعون الإسرائيليين من الوصول إلى أراضيهم أو التصرف بأرزاقهم؟ ماذا لو كان المزارع الإسرائيلي مضطراً إلى انتظار موافقة جهة لبنانية حتى يتمكن من الوصول إلى أرضه وقطاف محصوله؟ هل كان العالم سيعتبر الأمر مجرد «ترتيبات ميدانية»؟ أم كانت العواصم الكبرى ستتحرك، وتصدر البيانات، وتُستدعى لغة القانون الدولي وحقوق الإنسان بأعلى مستوياتها؟
هذه الازدواجية هي جوهر المشكلة.
لا يمكن الحديث عن قانون دولي بصورة انتقائية، ولا يمكن مطالبة اللبنانيين باحترام ترتيبات تُفرض عليهم بينما تُترك حقوقهم الأساسية تحت رحمة واقع فرضه الاحتلال. فالقانون، إذا كان قانوناً بالفعل، لا ينبغي أن يتغير مفعوله بحسب هوية صاحب الأرض أو قوة الطرف الآخر.
والأخطر من ذلك أن يُطلب من اللبنانيين لاحقاً التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها أمراً طبيعياً، ثم يُطلب منهم التفكير في «السلام» مع كيان لا تزال ممارساته على الأرض تفرض قيوداً على حياة اللبنانيين وأرزاقهم وسيادتهم.
أي سلام هذا الذي يبدأ من عدم تكافؤ الحقوق؟
وأي تسوية يمكن أن تكون عادلة إذا كان صاحب الأرض يحتاج إلى موافقات كي يصل إلى رزقه، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن يتعامل مع الاحتلال والقيود المفروضة عليه باعتبارها واقعاً يجب التعايش معه؟
إن المطلوب ليس امتيازاً للبنانيين، بل تطبيق المبدأ نفسه على الجميع: حق صاحب الأرض في أرضه، وحق المزارع في محصوله، وحق الدولة في ممارسة سيادتها، واحترام القانون الدولي من دون انتقائية أو معايير مزدوجة.
أما أن يصبح رزق الجنوبي مرتبطاً بقرار يصدر عبر آليات فرضتها ظروف الاحتلال، ثم يُطلب من اللبنانيين القبول بذلك كجزء من الطريق إلى السلام، فهذه ليست مساواة في الحقوق، ولا يمكن تقديمها للبنانيين على أنها عدالة.
فالسلام الذي لا يبدأ بالاعتراف بحقوق أصحاب الأرض واحترام سيادتهم، لا يعالج المشكلة؛ بل يطلب من صاحب الحق أن يتعايش مع انتقاص حقه.
وهنا تحديداً، على الدول التي ترفع شعار القانون الدولي أن تجيب قبل غيرها: لماذا لا يُطبَّق هذا القانون بالمعيار نفسه عندما يكون صاحب الحق لبنانياً؟
مكاريو٢١ مارسيل راشد
Macario 21 News