قال رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، بعد لقائه رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس:
صحيح أن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح أولاً وأخيراً.
لكنّ الصحيح أيضاً، أن مصالح أي دولة حديثة ديمقراطية، منبثقة من إرادة شعبها، تقوم أولاً وأخيراً، على تحقيق خير هذا الشعب وتقدمه وازدهاره.
وخير أي شعب، مرتبط بنظرته إلى تاريخه وتقاليده وتراثه وذاكرته وشخصيته ومنظومة القيم في مجتمعه، كما بتطلعه إلى مستقبله ودوره ورسالته، في أرضه وفي محيطه، وهو ما يشكل هوية هذا الشعب.
لذلك أرى أن مصالحنا المشتركة، بين لبنان واليونان، هي فعلاً من عمر التاريخ، كما هي من نتاج حاضرنا ومن مقتضيات مستقبلنا.
منذ أكثر من ألفي سنة، منذ الزمن الفينيقي الإغريقي، كنا معاً، يجمعنا هذا البحر المتوسط.
يجمعنا في بُعد أمننا وسيادتنا وحريتنا. كما يجمعنا في بُعد مصالحنا الاقتصادية الشاملة.
جمعَنا في التاريخ الأول في مسائل الإبحار والتجارة. ويضيفُ إليها اليوم، شراكتنا في قضايا منابع مصادر الطاقة وطرق نقلها ومصباتها وأسواقها، وفي مسائل حرية التجارة العالمية وحق الشعوب في خيرات أرضها وثروات الأرض.
جمعنا المتوسط قديماً في مبادرات شعبينا الخلاقة، في التبادل الثقافي والحضاري والفكري.
ويضيف إليها اليوم قضايا الحفاظ على حضاراتنا، في مواجهة ظواهر الإرهاب ورفض الآخر أو الخوف منه. كما في مقاربة مسائل التغييرات الديمغرافية القسرية، أو حتى السلامة البيئية البحرية والعامة.
ولأنه بحرٌ متوسط، فهو مثل اسمه، يجمع ولا يفصل.
ولذلك كانت مجتمعاته بيئة للاعتدال في المناخ كما في الاجتماع والسياسة. فلا تقبل التطرف ولا تحتمل الأحادية. ونحن من هذا البحر ومثله. لذلك، نرى أنفسنا، كما نرى علاقاتنا الثنائية، نموذجاً منفتحاً على كل جيراننا، على كل من يريد الخير والسلام، بلا إلغاء ولا إقصاء ولا تفرد ولا استفراد. فنحن نعتبر أن علاقتنا مع أي جار أو صديق، هي مدخل لعلاقة مماثلة مع كل الجيران وكل الأصدقاء، من دون استثناء. على قاعدة سيادة بلدنا والاحترام المتبادل، وبهدف تحقيق كل الخير لكل شعوبنا.
أتشرف بزيارتكم اليوم، وأنا طامحٌ وواثقٌ من طموحي، إلى استمرار دعمكم للبنان، في شتى المجالات.
أتطلع إلى استمرار دعمكم للجيش اللبناني وقوانا المسلحة الرسمية. التي أوليناها مهمة إنقاذ لبنان من أزمتيه المترابطتين المزمنتين: أزمة وجود احتلال على أرضنا. وأزمة وجود سلاح خارج سلطة دولتنا. وهو ما استمر طيلة عقود. حتى قررنا اليوم أن الحل الوحيد الممكن، هو بمعالجة المشكلتين بالتلازم والتزامن والتوازي: انسحاب كامل للاحتلال، وسيطرة كاملة لقوانا المسلحة وحدها على كل أرضنا.
أزوركم وأتطلع إلى استمرار دعمكم للبنان في المحافل الدولية كافة. في الأمم المتحدة حيث نبحث استمرار دور أممي في جنوب لبنان، لمؤازرة الدولة اللبنانية في خطتها الإنقاذية.
كما في واشنطن حيث نتابع مساراً تفاوضياً لتحقيق أهدافنا الوطنية.
وأيضاً في الاتحاد الأوروبي، حيث نأمل أيضاً استمرار مساندتكم للبنان، سعياً لدعم الاتحاد على كل المستويات. مع طموحنا بعقد شراكة استراتيجية بيننا وبين أوروبا، قريباً.
وأزوركم أيضاً، متطلعاً إلى تطوير علاقاتنا الثنائية في كل مجال وعلى أي مستوى. في الاقتصاد والتبادل التجاري، وفي قطاعات السياحة والثقافة والآثار.
أتطلع مثلاً، إلى توأمةٍ لمدننا الساحلية المعمِّرة من زمن الميتولوجيا الفينيقية والإغريقية.
وإلى شراكة سياحية بين مراكزنا الأثرية العريقة.
وحتى إلى تكاملٍ في سياحتنا الدينية الإيمانية.
فنحن لا ننسى، أن جماعةً إيمانية أساسية في لبنان، لها موقعها الثابت في نظام عيشنا التعددي الواحد، كما لها دورها الانفتاحي التاريخي الكبير على العرب والعالم، ما زالت تحمل اسم “الأرثوذكس اليونانيين”. مع أن الغالبية الكبيرة من أبنائها ليسوا من أصل يوناني. لكنَّ تسميتها هذه، تظل مؤشراً على عمق تاريخنا المشترك، وهو ما نتطلع اليوم إلى تطويره وتثميره وتجديده، في اتجاه غد مشرق لنا جميعاً.
شاعرُكم الكبير، جورجيوس سيفيرياديس، (أو جورج سيفيريس) حامل نوبل للآداب، والذي خدم دبلوماسياً مميزاً لبلادكم في بيروت، منتصف القرن الماضي، كتب من قلب عاصمتنا، عن لحظة السكون في رقصة أفروديت (motionless dance). في إشارة شاعرية إبداعية، حول كيف للجمال والحب أن يجمدا الزمن، لينسكبا من بيروت حتى أثينا وصولاً إلى كل الأرض.
أيها الصديق كيرياكوس، من بيروت إلى أثنيا، جئنا اليوم، ساعين وجاهدين، لتجميد أزمنة الحروب والشرور، ليحل الخيرُ والسلام على كل الأرض، على صورة ونموذج صداقتنا.
عاشت الصداقة اللبنانية اليونانية
عاشت اليونان
عاش لبنان
Macario 21 News