تُعيد الولايات المتحدة رسم المشهد في الشرق الأوسط وفقًا لمصالحها، فتمنح صكوك الغفران لمن تريد، وتُلصق تهمة الإرهاب بمن يرفض الانصياع لها. اليوم، يتكرر هذا المشهد مع أحمد الشرع، الذي كان حتى الأمس القريب على قوائم الإرهاب الأميركية، ليصبح اليوم رئيسًا “شرعيًا” لسوريا بمباركة واشنطن. فماذا تغيّر؟ ولماذا تصرّ أميركا على تحديد من هو “الإرهابي” ومن هو “الشريف”؟
لم يكن أحمد الشرع يومًا شخصية توافقية في سوريا، بل قاد “جبهة النصرة” التي ارتكبت مجازر بحق المدنيين، وكان على رأس التنظيمات المتشددة المصنفة إرهابية عالميًا. ورغم ذلك، تحوّل فجأة إلى “الزعيم المقبول” بعد الإطاحة ببشار الأسد، ليصبح أداة جديدة بيد أميركا وإسرائيل، تمامًا كما حدث سابقًا مع شخصيات أخرى أُعيد تدويرها لخدمة المشاريع الغربية.
في المقابل، تُصنّف أميركا قادة المقاومة في لبنان وفلسطين على أنهم إرهابيون، رغم أن محكمة العدل الدولية صنّفت بنيامين نتنياهو وحكومته كمجرمي حرب وطالبت باعتقالهم. فكيف تُبرر واشنطن إبادة غزة واغتيال القادة الفلسطينيين، بينما ترفض حتى إدانة الاحتلال على جرائمه؟ كيف تصمت عن عمليات التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث تدمر إسرائيل منازل المدنيين دون تمييز، بينما تدّعي أنها تستهدف “بنى تحتية لحزب الله”؟
منذ بداية الحرب، التزم حزب الله بقواعد الاشتباك، بعد 66 يوما من فشل جيش الاحتلال بدخول الجنوب اللبناني برا نصت اميركا اتفاق جبرت الدولة اللبنانية بقبوله وتم وقف القتال، لكن إسرائيل لم تلتزم ببنود الاتفاق رغم أنها أعلنت موافقتها ووقعت. ومنذ ذاك الاتفاق لم تتوقف عن قصف البلدات الجنوبية، وتوغل قواتها في القرى الحدودية، ونفذت اغتيالات في وضح النهار، دون أي إدانة دولية أو حتى تلميح أميركي بضرورة وقف هذه الانتهاكات. ورغم كل ذلك، تُواصل أميركا الحديث عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بينما تُغيب أي حديث عن حق اللبنانيين في حماية أرضهم وبيوتهم من آلة الحرب الإسرائيلية.
قبل أشهر، اغتالت إسرائيل السيد حسن نصرالله وقادة آخرين في عمليات همجية داخل مجمعات مدنية مكتظة، متجاهلةً أي اعتبار لحياة الأبرياء. قصفٌ ممنهجٌ استهدف المدنيين اللبنانيين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، لكن من الواضح أن القانون لا يسري على إسرائيل، طالما أن أميركا هي التي تُقرر متى يتم تطبيقه ومتى يتم تجاهله.
في المقابل، بعد الإطاحة ببشار الأسد، أصبح المجال مفتوحًا أمام إسرائيل للتوغل في الأراضي السورية دون أي مقاومة تُذكر، وكأن الشرع جاء ليكون ستارًا لحكم وظيفي، يُمكّن الاحتلال من استباحة الأرض والسيادة دون ردّ. فهل باتت سوريا تحت حكمٍ مسيّر بالكامل من أميركا وإسرائيل؟ وهل تم تسليمها للشرع مقابل بقائه رئيسًا شكليًا، فيما تُرسم السياسة الفعلية في واشنطن وتل أبيب؟
كيف تحوّل شخصٌ كان مكروهًا من أغلب الفئات السورية إلى “القائد الشرعي” لسوريا؟ كيف بات مقبولًا عالميًا بعد أن كان مطلوبًا دوليًا؟ الإجابة بسيطة: أميركا تصنع القادة كما تشاء، وتُعيد تشكيل الخريطة السياسية بما يخدم مشاريعها.
اليوم، إسرائيل ترتكب المجازر، وتُبيد غزة، وتستبيح جنوب لبنان، وتنفذ الاغتيالات متى شاءت، بينما تتلقى دعمًا غير محدود من أميركا. وفي سوريا، يُنصَّب رئيسٌ جديدٌ كانت أميركا تصفه بالإرهابي، ليصبح فجأةً الوجه المقبول لنظامٍ جديد، يخدم مصالح واشنطن ولا يعارض الهيمنة الإسرائيلية.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل سيقبل السوريون بهذا الواقع؟ أم أن شرعية القوة لن تدوم طويلًا؟
مكاريو٢١ مارسيل راشد