في كلمته خلال الاجتماع غير الرسمي لقادة دول الاتحاد الأوروبي في قبرص، رسم الرئيس جوزاف عون صورة شاملة للواقع اللبناني وتحديات المنطقة، واضعاً ذلك في سياق تاريخي وسياسي أوسع يتجاوز مشهد الأزمات الآنية.
استهل الرئيس كلمته بتوجيه الشكر لقبرص على الاستضافة في هذا التوقيت الحساس، مشيداً باستمرار انخراط القادة الأوروبيين في قضايا المنطقة. وأشار إلى أن الشرق الأوسط، رغم ارتباطه في أذهان العالم بالحروب والمعاناة، يحمل في جوهره تاريخاً طويلاً من التبادل الحضاري والتجاري، حيث شكّل البحر المتوسط عبر العصور مساحة للتلاقي والازدهار. إلا أن الواقع الحالي، بحسب وصفه، لا يقتصر ضرره على الدمار، بل يمتد إلى ضياع فرص التكامل والنمو المشترك.
وأكد أن مسؤولية القادة اليوم لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تتعداها إلى تغيير المسار نحو مستقبل قائم على الفرص بدل الصراعات، وعلى التكامل بدل الانقسام، وعلى صناعة الأمل بدلاً من الاكتفاء بإدارة الألم.
وفي هذا الإطار، قدّم لبنان كنموذج حي لتعقيدات المنطقة، إذ يجد نفسه وسط حرب لم يخترها، في وقت لم يتعافَ فيه بعد من أزماته المتراكمة. وأوضح أن الحكومة اللبنانية اتخذت خطوات حاسمة لتعزيز السيادة، أبرزها ترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع مسار تفاوضي دبلوماسي برعاية دولية يهدف إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق انسحاب كامل يمكّن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها.
وشدد على أن لبنان يرفض أن يكون ورقة في صراعات الآخرين، بل يتفاوض دفاعاً عن مصالحه الوطنية وسيادته. إلا أن هذا المسار السياسي يترافق مع واقع إنساني بالغ الخطورة، حيث أدت العمليات العسكرية إلى آلاف الغارات، وآلاف الضحايا بين قتيل وجريح، ونزوح أكثر من مليون شخص، إضافة إلى دمار واسع في البنى التحتية والمساكن.
ولفت إلى أن هذه الأزمة تتجاوز الطابع الإنساني التقليدي لتصبح أزمة وجودية، في ظل الخسائر الاقتصادية الكبيرة والانكماش المتوقع في الناتج المحلي وارتفاع معدلات التضخم، ما يزيد من الضغوط الاجتماعية. ورغم ذلك، أكد أن الدولة اللبنانية تقود استجابة منظمة ومدعومة بأنظمة حديثة لضمان الشفافية.
وفي سياق العلاقات الدولية، شدد على أهمية الشراكة مع أوروبا، معرباً عن تقدير لبنان للدعم السياسي والإنساني المقدم، ومؤكداً أن لبنان ليس مجرد حالة إنسانية، بل عنصر أساسي في معادلات الاستقرار الإقليمي، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة.
وعرض مجالات التعاون الممكنة، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث يشكل استقرار شرق المتوسط عاملاً أساسياً لاستقرار الأسواق العالمية، وكذلك في المجال الاقتصادي، حيث يمكن للبنان أن يلعب دور منصة للتجارة والخدمات وإعادة الإعمار، مستفيداً من موقعه الجغرافي وكفاءاته البشرية.
ودعا إلى ترجمة هذه الإمكانات عبر خطوات عملية، أبرزها عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، وتعزيز التمويل الإنساني، وإعادة تفعيل دعم الجيش اللبناني باعتباره ركيزة للاستقرار. كما شدد على أهمية استمرار الدعم الدولي لقوات حفظ السلام، وإمكانية تطوير حضور أوروبي مستقبلي في لبنان.
وفي ملف النزوح السوري، أكد ضرورة العمل مع السلطات السورية والشركاء الدوليين لتأمين عودة آمنة وكريمة للنازحين، مشيراً إلى أن تحسن الاستقرار في سوريا يفتح نافذة للتقدم في هذا الملف تدريجياً.
واختتم كلمته بالتأكيد أن لبنان يقف عند مفترق طرق حاسم، وأن القرارات المشتركة في المرحلة المقبلة ستحدد ليس فقط مستقبله، بل استقرار المنطقة بأكملها. وأكد تمسك لبنان بخيار الدبلوماسية كسبيل وحيد للحل المستدام، معرباً عن تطلعه إلى شراكة أعمق مع المجتمع الدولي تقوم على المصالح المشتركة والمسؤولية المتبادلة.
وأكد في الختام أن لبنان مستعد للمضي قدماً بثبات، معوّلاً على دعم شركائه لتحقيق الاستقرار والتعافي المنشود.
Macario 21 News